السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
70
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
« وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ » اربطها وقسّها حتى لا تلين للإيمان ولا تنشرح له ، وهذه الجرأة من سيدنا موسى بعد أن أيّسه اللّه من إيمانهم ، وإنما قال ما قال لعلمه أن اللّه تعالى وتعظم يفعل ذلك لمن يشاء ، ويحكم به لمن يريد ، ثم علل قساوته هذه بقوله « فَلا يُؤْمِنُوا » وهم على حالتهم هذه من الرفاه والصحة ، وسيضلون متمادين في الضلال « حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ 88 » وكان ذلك ، فإنهم لم يؤمنوا حي داهمهم الغرق ، فكان إيمانهم إيمان يأس حالة يأس ، فلا يقبل ممن آمن منهم أو من غيرهم في هاتين الحالتين ، قال في بدء الأمالي : وما إيمان يأس حال بأس * بمقبول لفقد الامتثال فظهر أن دعاء موسى هذا بهذه الشدّة موافق لقضاء اللّه تعالى وقدره عليهم في الأزل ، وقد ألهمه اللّه إياه ، ولما كان هارون عليه السلام يؤمن على دعاء موسى خاطبهما بقوله عز قوله « قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما » لأن التأمين دعاءه ، ومنه يعلم أن دعاء الإمام دعاء للمأموم ، وقراءته قراءة له أيضا . واعلم أن معي آمين اللهم استجب فحال اللّه تعالى بين فرعون وقومه ، وبين الإيمان حتى أدركهم الغرق ، إجابة لدعائهما الموافق لما هو في علم اللّه ، لأن الناس جارون على تطبيق ما هو كائن في الأزل ، وما هم إلا مظاهر له « فَاسْتَقِيما » على ما أنتما عليه واثبتا على الدعوة وامضيا لأمركما ولا تستعجلا في إجابة دعوتكما ، فإنها مجابة لا محالة ، ولكن بوقتها المحتوم الذي لا يتبدل . قالوا وكان بين الدعوة والإجابة أربعون سنة ، ومن هنا قيل أن أقل صبر اللّه على الظالم أربعون سنة ، على أنه قد يجيب الدعاء حالا في بعض الأحيان ، وهو لا يسأل عما يفعل من تقديم الإجابة وتأخيرها « وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ 89 » حكمة إمهالنا لمن عصانا وانجاز وعدنا لمن دعانا ، وهذا النهي لا يدل على صدور النهي عنه من موسى وهارون ، كما أن قوله تعالى ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) الآية 65 من سورة المؤمن الآتية لا يدل على صدور الشرك من محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنه مستحيل عليه بل مجرد تأكيد امر الوعيد ، وقد كثر أن ينهى الشخص عما يستحيل وقوعه منه زجرا للغير ، والإفادة بأن في تأخير الدعاء حكما إلهية وتعليما للأمة بعدم طلبهم